بستان الساعات القديمة

 


العنوان: "بستان الساعات القديمة"

في إحدى القرى الهادئة التي كان الزمن فيها يبدو كأنه يسير على مهل، عاش رجل مسن يدعى "عارف". لم يكن عارف يعمل حداداً أو نجاراً، بل كان مصلحاً للساعات القديمة التي هجرها أصحابها ونسوا حتى أصوات دقاقاتها. كانت ورشته الصغيرة تشبه متحفاً صغيراً للزمن المنسي، تعج بالعقارب المتعرجة والتروس البرونزية التي تروي قصص سنوات خلت.

في أحد الأيام الماطرة، وبينما كان عارف ينظف رفاً بعيداً، عثر على ساعة جيب غريبة الشكل مصنوعة من الفضة الخالصة، وبدون عقارب! الأغرب من ذلك أن غلافها الخارجي حمل نقشاً بخط دقيق يقول: "الساعة التي تبدأ حين تتوقف".

تأمل عارف الساعة بفضول، وما إن لمس زرها الجانبي حتى توقف صوت كل الساعات الأخرى في الورشة تماماً. ساد صمت مطبق، وفجأة شعرت ورشته بوهج دافئ، وانفتحت أمامه نافذة وهمية على الهواء الطلق، لكنها لم تكن مطلة على الشارع، بل على لحظات عمره التي مضت وانقضت؛ رأى نفسه طفلاً يركض في حقول القمح، ورأى أحلام شبابه الأولى، وحتى الأيام الصعبة التي تخطاها بقوة.

أدرك عارف حينها سر تلك الساعة؛ فهي لم تكن تقيس الوقت الذي ينقضي، بل كانت تمنح الإنسان فرصة ليعيش اللحظة الحالية بكامل وعيه، دون قلق من المستقبل أو حسرة على الماضي.

وضع عارف الساعة برفق على طاولته، وابتسم لنفسه، ثم شغل راديو الورشة الصغير على صوت مقطوعة هادئة، وعاد إلى عمله بحماس جديد، مقتنعاً بأن أجمل وقت في حياة الإنسان هو تماماً.. الآن.





تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

رحلة العودة إلى أزقة الذاكرة

رحلة العودة إلى مدينة الأمس